تستعرض الدكتورة ميتشيكو كيمورا برونو في هذا المقال مفهوم النسيان من زاوية مختلفة، إذ ترى أن النسيان ليس علامة على ضعف الذاكرة أو تراجعها، بل يمثل عملية حيوية تساعد الدماغ على التكيف مع العالم المحيط. وتوضح أن الإنسان لا يتشكل فقط بما يتذكره، بل أيضًا بما ينساه، لأن الدماغ يعيد باستمرار تنظيم الخبرات والمعلومات بما يخدم احتياجاته الحالية والمستقبلية.


ونشر موقع سايكولوجي توداي هذا التحليل الذي يناقش العلاقة بين الذاكرة والنسيان، ويستعرض أحدث ما توصلت إليه أبحاث علم الأعصاب لفهم كيفية تخلص الدماغ من المعلومات غير الضرورية ودور ذلك في تعزيز الصحة النفسية والمرونة السلوكية.


النسيان أداة لتنظيم الذاكرة


يكشف فهم الذاكرة الحديثة أن الدماغ لا يعمل كآلة تسجيل تحفظ الأحداث كما وقعت، بل يعيد بناء الذكريات ويعيد تفسيرها باستمرار. ومن هذا المنطلق، يؤدي النسيان وظيفة أساسية تتمثل في فرز المعلومات واختيار ما يستحق الاحتفاظ به.


ولو احتفظ الإنسان بكل تفاصيل حياته اليومية بالدقة نفسها، لتحولت الذاكرة إلى عبء يعيق التفكير واتخاذ القرار. لذلك يضغط الدماغ المعلومات ويختصرها ويتخلص من التفاصيل غير المهمة حتى يحافظ على كفاءته. وبهذا المعنى، لا يعادي النسيان الذاكرة، بل يساعدها على العمل بفاعلية أكبر ويمنح الإنسان قدرة أعلى على التكيف مع المتغيرات.


وتبرز أهمية هذه العملية في بعض الاضطرابات النفسية مثل اضطراب ما بعد الصدمة، حيث تسيطر ذكريات مؤلمة على حياة المصاب وتدفعه إلى إعادة عيش التجربة مرارًا. لذلك تسعى العديد من المدارس العلاجية إلى مساعدة الأفراد على تخفيف تأثير الذكريات السلبية والتخلص من هيمنتها على الحاضر.


كيف تتكون الذكريات ولماذا تبقى؟


تشير الكاتبة إلى أن معظم ما يمر به الإنسان يوميًا لا يتحول إلى ذكريات طويلة الأمد. ويحدد الانتباه ما يستحق أن يدخل إلى أرشيف الذاكرة، بينما يعزز التكرار فرص الاحتفاظ بالمعلومات لفترة أطول.


وتلعب العاطفة دورًا محوريًا في هذه العملية، إذ تعمل كمُظلِّل يلفت انتباه الدماغ إلى الأحداث المهمة. ولهذا يسهل تذكر لحظات الفرح الكبرى أو الأحداث الصادمة مقارنة بالتفاصيل الروتينية العادية. وكلما ارتبطت الذكرى بمشاعر قوية، ازدادت قدرتها على البقاء.


وتدعم الدراسات هذه الفكرة، حيث أظهرت أبحاث أجريت على مصابين بمرض ألزهايمر أن المشاعر قد تستمر حتى عندما تتلاشى تفاصيل الحدث نفسه. فقد ظل المشاركون يشعرون بالحزن أو السعادة بعد مشاهدة مقاطع مؤثرة، رغم عجزهم عن تذكر محتواها لاحقًا. ويعكس ذلك قوة الرابط بين الذاكرة والعاطفة، حتى وإن لم يكونا الشيء نفسه.


علم الأعصاب يكشف أسرار النسيان


اعتقد العلماء لسنوات طويلة أن النسيان يحدث فقط نتيجة تلاشي الذكريات مع مرور الوقت. لكن الأبحاث الحديثة بدأت تكشف وجود آليات بيولوجية نشطة تساعد الدماغ على التخلص من بعض الذكريات وإعادة تشكيل شبكاته العصبية باستمرار.


وتشير الدراسات إلى أن النوم الجيد والنشاط البدني والتجارب الجديدة وحتى تكوين خلايا عصبية جديدة تسهم جميعها في تحديث الذاكرة وإفساح المجال لمعلومات وخبرات جديدة. كما تربط بعض الأبحاث بين اضطرابات مثل القلق واضطراب الوسواس القهري والإدمان وبين خلل في آليات النسيان النشط.


وترى الكاتبة أن الإنسان لا يستطيع أن يأمر نفسه بالنسيان مباشرة، لكنه يستطيع التأثير في هذه العملية عبر توجيه انتباهه إلى ما يهمه حقًا، والتركيز على القيم والعلاقات والأهداف التي يرغب في الحفاظ عليها. كما يساعد التخلي عن الضغائن الصغيرة وحماية جودة النوم وممارسة الرياضة والانفتاح على تجارب جديدة في تقليل سطوة الذكريات غير المرغوبة.


وتخلص برونو إلى أن النسيان لا يمثل دائمًا خسارة أو فشلًا، بل قد يكون شكلًا من أشكال الشفاء النفسي. فالذاكرة تمنح الإنسان الاستمرارية، لكن النسيان يمنحه القدرة على المضي قدمًا. وبينما يبني الانتباه أرشيف الذكريات، يتولى النسيان مهمة تحريره وتنقيحه، ليبقى الماضي حاضرًا بالقدر الذي يخدم المستقبل لا أكثر.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/breaking-good/202606/the-secret-power-of-forgetting